الاربعاء, 13 ديسمبر, 2006
القطــــــــــــــــــــــاراتمرة أخرى * كنت قد كتبت شيئاً عن معانقة القطارات من الأمام في حالات الاكتئاب القصوى واليوم اجد ذكرى مؤلمة مع حافلة القطارات مع كاتبة متميزة هي احلام مستغانمي واليكم مقطع من روايتها :
مات زياد ... لم أسأله يومها عن قراره الأخير . لقد سكن الصمت بيننا في الأيام الأخيرة. و أصبحت أتحاشى الجلوس إليه. و كأنني أخاف أن يعترف لي بأمر أخشاه أو بقرار أتوقعه.
لم يقل شيئاًً وهو يسافر محملاً بحقيبة يد صغيرة. قال لي معتذرا فقط : " ألا يزعجك أن ترك هذه الحقيبة عند.. انت تدري ان مضايقات المطارات كثيرة هذه الأيام ، و لا أريد أن أنقل أشيائي مرة اخرى من مكان الى آخر...." ثم أضاف بما يشبه السخرية : " خاصة ان لاشيء ينتظرني في المطار الأخير!" لم يخطىء حدسه اذا ... لم يكن في انتظاره سوى رصاصة الموت.
مازلت اذكر قوله مرة :" لنا في كل وطن مقبرة.. على يد الجميع متنا .. باسم كل الثورات وباسم كل الكتب" ولم تقتله قناعاته هذه المرة . قتلته هويته فقط! بكيته ذلك المساء بكيت ضحكته نبرته المميزة التي لا يشبهها صوت بكيت ... ذلك الحزن الذي لا يعادله حزن حزنه المكابر
ذلك البكاء المكابر الذي نسرقه سرا من رجولتنا . وتساءلت اي رجل فيه كنت ابكي الأكثر . ولم البكاء ؟؟؟؟؟
لقد مات شاعراً كما أراد... ذات صيف كما أراد... مقاتلاً في معركة كما أراد ايضا. .... هنالك من يختارون موتهم وحدهم .. ولا يمكننا قتلهم لمجرد كتابة رواية. ...... كان يكابر ويدعي ان فلسطين أمه.. ويعترف احيانا ، ان لاقبر لأمه ، تلك التي دفنت في مقابر جماعية لمذبحة اولى كان اسمها تل الزعتر
وانهم اخذوا صورا تذكارية ، ورفعوا علامات النصر ووقفوا بأحذيتهم على جثث .. قد تكون بينها جثتها. ولحظتها فقط كان يبدو لي انه يبكي .
فلم البكاء زياد؟؟؟؟
في كل معركة كان لك جثة. في كل مذبحة تركت قبرا مجهولا. وها أنت ذا تواصل بموتك منطق الأشياء . فلا شيء كان في انتظارك غير قطار الموت.
هناك من أخذ قطار تل الزعتر، وهنالك من أخذ قطار ( بيروت 82 ) أو قطار صبرا وشاتيلا
وهناك من هنا أو هناك ، مازال ينتظر رحلته الأخيرة ، في مخيم أو بقايا بيت ، أو حتى في بلد عربي ما .....
وبين كل قطار و قطار .... قطار بين كل موت وموت.... موت
فما أسعد الذين أخذوا القطار الأول صديقي. ما أسعدهم وما أتعسنا أمام كل نشرة أخبار! بعدهم أصبح الوطن مجرد محطة. وأصبحت في أعماق كل منا سكة حديدية تنتظر قطارا ما ... يحزننا ان نأخذه .... ويحزننا أن يسافر دوننا.
رحل زياد اذن ................
******* كنت أعرف ذلك عندما يسألني في آخر مكالمته: - متى ستأتي يا خالد ؟؟
أشعر عندئذ أنه باخرة تغرق ، وتبعث اشارة ضوئية تطلب النجدة مني.
وبرغم ذلك ، كنت أسايره فقط، وأعده كل مرة انني قد أزوره في الصيف القادم . وكنت أعرف في أعماقي انني اكذب ، وانني قطعت الجسور مع الوطن حتى اشعار اخر.
في الواقع ، أصبحت عندي قناعة بانعدام الأمل . كان القطار يسير في الاتجاه المعاكس، وبسرعة لم يكن ممكنا معها ان نفعل شيئا .... اي شيء . غير الذهول و انتظار كارثة الاصطدام.
وكنت أحزم حقائب القلب .... وأمضي دون ان أدري في اتجاه آخر ايضا، في الاتجاه المعاكس للوطن.
رحت أؤثث غربتي بالنسيان . أصنع من المنفى وطنا آخر لي ، وطنا ربما أبديا، علي أن اتعود العيش فيه.
بدأت اتصالح مع الأشياء . أقمت علاقات طبيعية مع نهر السين ... مع جسر ميرابو.... مع كل المعالم التي كانت تقابلني من تلك النافذة ، والتي كنت اعيش في معادة لها دون سبب.
أحلام مستغانمي ذاكرة الجسد ( بتصرف )
*
أضف تعليقا أضف تعليقا <<الصفحة الرئيسية | |